أبي منصور الماتريدي

570

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فذلك لكل عام . وليس ما يضاف إلى العمر موجودا بحق الأعوام . فجعل ذلك وقته ، والله أعلم . ثم الزكاة « 1 » هي تجب للأموال ؛ صونا لها ؛ لكسب عدد ، وفضل غنى ، ولكن على ذلك تكتب لأحوال الحياة لا لما يخلف ؛ فلم يمتد أمرها إلى العمر ؛ على أنها جعلت حقّا للفقراء . ومتى أريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره ، ويجب فيه ما يجب في الأول ؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش ؛ إذ الله - بفضله - قدر أقوات الخلق ، ثم فضل الخلق في الأملاك ، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئا ، وبعضهم يجاوز ما ينال أضعاف عمره . ثبت أن ذلك له بما يقتضى به كفاية الفقراء ؛ فلا بد أن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعا . ثم كانت الأقوات - التي هي مجهولة للخلق جميعا - تتجدد في كل عام على ذلك ؛ إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأغنياء ، جعلت في كل عام . على أنه إذ جعلت أقوات الخلق في بركات السماء والأرض ، جعلها الله متجددة بتجدد الأعوام ، ولا قوة إلا بالله . والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأبدان ، فعلى ما يختلف قواهما ، اختلف في الأمر بهما والترك ، وفي أنواع الرخص . لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات ، ولا مدافعة اللذات ؛ إذ لا سبيل إلى مثلها متتابعا لما يصير اللذة ألما ، والشهوة وجعا ؛ فيبطل حق التتابع ، وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس . والصيام يضاد ذلك ، ويضر في البدن . فجعل عبادة الصلوات في كل يوم ، وعبادة الصيام في أوقات متراخية ؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إقامة الأبدان ، وفي الصيام خوف فنائها ؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أوقات الصيام ، ولا قوة إلا بالله . وإن شئت قلت : إن الله أنعم على البشر بما هو غذاء وقوام ، وبما هو لذة وشهوة ، ثم أنعم عليهم بما هو لهم به رفعة وجاه عند الخلق - وهي الأموال - فألزمهم في كل نوع من هذه الأنواع عبادات .

--> ( 1 ) في أ : الزكوات .